محمد باقر الملكي الميانجي
242
مناهج البيان في تفسير القرآن
عن الحسن بن زيد ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه عليهم السلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أقربكم غدا منّي في الموقف أصدقكم للحديث ، وأداء الأمانة ، وأوفاكم بالعهد ، وأحسنكم خلقا ، وأقربكم من الناس . أقول : القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قرينة على أنّ القرب من اللّه - تعالى - والمراد منه هو القرب الإكرامي لا القرب الذّاتي . فتلخّص أنّ الأنبياء والملائكة والأصفياء أكرمهم اللّه بالقرب التشريفي وعلوّ العظمة ، ورفعة المقام ، وأنّ الملائكة على اختلاف مقاماتهم وشؤونهم الّتي أمروا بها ، ليس قربهم إلّا مثل قرب الأنبياء بالتشريف والتكريم ؛ لشدّة مراقبتهم في حريم الملكوت ، وكمال خلوصهم واجتهادهم في ذكر اللّه سبحانه ، وعدم استنكافهم في شيء ممّا يرد عليهم من أوامر ربّهم ، ووظائف حضورهم في محافل القدس ومجالس الأنس . قوله تعالى : « وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا » . قال في التبيان 2 / 463 : والكهل : من كان فوق الغلومة ودون الشيخوخة . ومنه اكتهل النبت : إذا طال وقوي : ومنه الكاهل فوق الظهر إلى ما يلي العنق . . . وقيل الكهولة : بلوغ أربع وثلاثين سنة . وقال في الميزان 3 / 213 : فكلام الصبيّ في المهد ، وإن لم يكن في نفسه من خوارق العادة ، لكن ظاهر الآية أنّه يكلّم الناس في المهد كلاما تامّا يعتني به العقلاء من الناس كما يعتنون بكلام الكهل . وبعبارة أخرى يكلّمهم في المهد كما يكلّمهم كهلا . والكلام من الصبيّ بهذه الصفة آية خارقة . أقول : ظاهر الآية هو التكلّم بالنبوّة في المهد . فهذه قرينة أنّ تكلّمه في الكهولة أيضا بالنبوّة ، فالنبوّة في المهد خرق للعادة ، وادّعاء النبوّة بالكلام في المهد برهان في مقام الإثبات ، فإنّه عليه السلام قال : « . . . إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي » . [ مريم ( 19 ) / 30 - 32 ]